أخر الأخبار

عمرو خان يكتب..الفتنة الرقمية والسرديات الغاضبة سلاح الحرب ضد العلاقات المصرية-السودانية؟

في الأزمنة التي تتداخل فيها السياسة مع الفضاء الرقمي، لم تعد الفتنة حدثًا عفويًا ينشأ من خلاف عابر، بل أصبحت صناعة قائمة على توجيه الإدراك وتغذية الانفعال. أخطر ما في هذه الصناعة أنها لا تستهدف الحكومات بقدر ما تراهن على تفكيك الثقة بين الشعوب. وحين يصبح المجال الإلكتروني ساحة مفتوحة لتداول اتهامات ومشاعر محتقنه، فإن الضرر لا يتوقف عند حدود النقاش، بل يمتد ليطال بنية العلاقة الإنسانية ذاتها. من هنا، يصبح من الضروري قراءة ما يُتداول حول العلاقات المصرية-السودانية بوصفه جزءًا من معركة سرديات، لا مجرد اختلاف في وجهات النظر.

في جوهر أي مجتمع، لا يمكن فصل مصلحة الفرد عن مصلحة الجماعة. الاعتقاد بأن الإنسان قادر على الوقوف خارج دائرة التأثير العام وهمٌ فكري قبل أن يكون خطأً أخلاقيًا. فحين يتعرض النسيج الاجتماعي للاهتزاز، فإن تداعيات ذلك تصيب الجميع، سواء كانوا مشاركين في الخطاب أو مجرد متلقين له.

خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت كتابات ومنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتناول أوضاع الجالية السودانية في مصر، مصحوبة بسرديات تتهم مؤسسات رسمية بالتجاوز أو الاستهداف. وبغض النظر عن دقة هذه الادعاءات من عدمها، فإن الإشكالية الأعمق لا تكمن في مضمون كل منشور على حدة، بل في السياق الذي تُنتج فيه هذه السرديات وكيفية توظيفها في تشكيل وعي جمعي مشحون.

الفضاء الرقمي بطبيعته لا يعمل كمرآة محايدة للواقع، بل كساحة تتصارع فيها الروايات. في هذا السياق، تتحول الأحداث الفردية — الحقيقية أو المؤولة — إلى أدوات تعبئة عاطفية، حيث تُنتزع الوقائع من سياقها وتُعاد صياغتها بما يخدم خطابًا أكبر. هذه العملية ليست جديدة، لكنها في عصر الشبكات الاجتماعية أصبحت أكثر سرعة وتأثيرًا، بحيث يمكن لرواية غير مكتملة أن تُحدث شرخًا نفسيًا بين مجتمعات تربطها علاقات تاريخية عميقة.

العلاقات المصرية-السودانية ليست مجرد ملف سياسي، بل هي نتاج عقود طويلة من التداخل الاجتماعي والثقافي والإنساني. ملايين البشر عبروا الحدود بين البلدين بحثًا عن العمل أو الأمان أو التعليم، مما خلق شبكة مصالح وعلاقات يومية تتجاوز الحسابات الرسمية. لذلك فإن أي خطاب يسعى إلى تأجيج العداء الشعبي لا يستهدف موقفًا سياسيًا بقدر ما يضرب في صميم هذه الروابط.

في سياق النزاعات الإقليمية، تصبح العلاقات الشعبية هدفًا استراتيجيًا. فالتاريخ الحديث يُظهر أن تفكيك الثقة بين المجتمعات يُعد وسيلة فعالة لإضعاف أي تقارب سياسي أو إنساني. من هنا يمكن قراءة تصاعد السرديات الغاضبة بوصفه جزءًا من نمط أوسع لما يُعرف بحروب الإدراك، حيث يُعاد تشكيل الوعي العام عبر ضخ معلومات جزئية أو مؤطرة بطريقة تثير الانفعال أكثر مما تشجع على الفهم.

لا يعني ذلك إنكار وجود مشكلات حقيقية أو التقليل من أهمية النقد المشروع، بل على العكس، فالنقد الواعي جزء أساسي من أي مجتمع صحي. غير أن الفرق بين النقد والتحريض يكمن في الهدف: الأول يسعى إلى الإصلاح، بينما الثاني يوظف الغضب لإحداث قطيعة. حين تختلط الحدود بينهما، يصبح المجال الرقمي بيئة خصبة للانقسام.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا السياق هو أن تتحول المشاعر الفردية إلى وقود لسرديات جماعية قائمة على التعميم والاتهام. فالتجارب الشخصية، مهما كانت مؤلمة، لا ينبغي أن تُختزل في حكم شامل على مجتمع بأكمله. هنا تظهر مسؤولية الفرد — ككاتب أو متلقٍ — في التمييز بين نقل المعاناة وبين توظيفها ضمن خطاب قد يخدم أجندات لا علاقة لها بالإنصاف.

في النهاية، الفتنة لا تنجح بقوة من يصنعها، بل بمدى استعداد الآخرين لتصديقها دون تمحيص. تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للاتهامات المتبادلة لا يضر الحكومات بقدر ما يفتك بجسور الثقة بين الناس. وحين تُستبدل القراءة النقدية بالانفعال، يصبح الجميع شركاء — عن قصد أو غير قصد — في تفكيك ما بُني عبر عقود من التعايش. إن الدفاع الحقيقي عن العلاقات بين الشعوب لا يكون بإنكار المشكلات، بل برفض تحويلها إلى أدوات صراع. ففي زمن تُدار فيه الحروب بالكلمات قبل السلاح، يصبح الوعي فعل مقاومة، ويغدو الصمت أمام التضليل شكلًا من أشكال التواطؤ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى