أخر الأخبار

حين يختار السياسي أن يُنصت قبل أن يتكلم...مني أركو مناوي

ليس من السهل، في قلب أزمة سودانية معقدة ومتشابكة، أن تجد سياسيًا يحتفظ بقدر من الاعتدال الفكري والاتزان النفسي، ويملك في الوقت ذاته شجاعة السباحة عكس التيار بحثًا عن حلول حقيقية لا شعارات مستهلكة. هكذا بدا لي مني أركو مناوي؛ رجل وسطي، لديه إدراك واعٍ لما يجب أن يكون، وما لا يجب أن يحدث، وقدرة لافتة على تجاوز منطق السقوط في أعماق الأزمة نحو التفكير في البدائل وتوسيع دوائر الاختيار.

حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي
حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي

خلال اللقاء الذي دعا إليه حاكم إقليم دارفور عددًا من الصحفيين المصريين المتخصصين في الشأن السوداني، فور وصوله إلى القاهرة في زيارة سريعة، كنت واحدًا من المدعوين. كان حضوري طبيعيًا، ليس فقط لأن الرجل شخصية رسمية ومحورية في المشهد السوداني، بل لأنه أحد الفاعلين الذين مرّوا بتجارب السلطة والمعارضة والميدان، ما يمنحه منظورًا مركبًا لا يتوفر لكثيرين.

لم يجلس مناوي في مقعد الضيف خلال جلسة الحوار، بل بدا كقنّاص يلتقط أهدافه بنظرات ثاقبة، في صمت يكاد الصمت نفسه يئنّ منه. ملامحه الإفريقية الأصيلة، وخفة ظله الحاضرة دون افتعال، جعلت منه محاورًا متميزًا وسط كوكبة من كبار الصحفيين المصريين، لا ضيفًا ينتظر الأسئلة بقدر ما يشارك في صياغتها ذهنيًا.

حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي
حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي

مناوي ليس سيرة سياسية عادية؛ هو سياسي سوداني شغل منصب الأمين العام لحركة تحرير السودان، وقائد ميداني سابق لجيش تحرير السودان في دارفور وجبل مرة، ثم انشق وانضم إلى حكومة الخرطوم، ليتولى لاحقًا منصب كبير مساعدي الرئيس عمر البشير، ورئاسة سلطة دارفور الإقليمية الانتقالية. عُرف في بداياته كقائد ميداني قبل أن تعرفه الدولة كمسؤول رسمي، وكانت له علاقات إقليمية معقدة ومساعٍ متعددة في ملف دارفور، شابتها لحظات غياب وعودة تعكس طبيعة الصراع نفسه.

ينتمي مناوي إلى قبيلة الزغاوة، وُلد في فوراوية شمال غرب كتم، وتدرج في التعليم بين الفاشر وكرنوي، ودرس اللغة الفرنسية في تشاد، وعمل معلمًا وتاجرًا قبل أن يلتحق بالعمل العسكري عام 2001. هذه التفاصيل لا تُساق بوصفها سردًا ذاتيًا، بل باعتبارها مفاتيح لفهم رجل تشكّل وعيه بين الهامش والمركز، وبين البندقية والسياسة.

عكست آراؤه الوسطية والمعتدلة تجاه الأزمة السودانية داخليًا مدى موضوعية الرجل وتصالحه مع حقيقة وجود إشكاليات بنيوية في السودان، يرى أنها لا تحتمل الحلول المؤجلة، بل تستوجب معالجة نهائية تفضي إلى إفراز مكونات جديدة قادرة على بناء سودان موحد ومستقر. في المقابل، ظهر انتماؤه وتشدده بوضوح عندما انتقل الحديث إلى دور الفاعلين الإقليميين، إذ أعلن، وبشكل شخصي وحاسم، رفضه التام لأي حوار مع أطراف تدعم ميليشيا الدعم السريع.

حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي
حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي

اللافت في الجلسة – التي فضّل أن يسميها «تنويرية» لا مؤتمرًا صحفيًا – أنه جاء ليستمع أكثر مما يتكلم. جاء ليقرأ ما بين السطور، بينما جئنا نحن نظن أننا سنكتب فقط ما سيقوله. لم يفاجئني ذلك؛ فالرجل لا ينطق بكلمة إلا بعد إنصات طويل وتفكير هادئ، ثم يجيب بذكاء يخلو من الانفعال والاستعراض.

الخلاصة أن مني أركو مناوي شخصية لها ما لها وعليها ما عليها؛ يتفق معه من يتفق، ويختلف معه من يختلف، لكن يصعب إنكار أنه شخصية جديرة بالوقوف أمامها طويلًا، سواء من زاوية التاريخ، أو من زاوية الإنسان الذي تشكّل وسط العاصفة، وما زال يحاول أن يرى أبعد من دخانها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى